المتلقي في الحداثة الغربية:

   بالرجوع إلى مقولة روبرت هولب حول أصول أو إرهاصات نظرية التلقي في التراث اليوناني، من السهل علينا أن نكشف عن خصوصيات هذه المرحلة لأن ًالتراث البلاغي كله وعلاقته بنظرية الشعر، يمكن كذلك النظر اليه على أنه إرهاص بالنظرية بفضل تركيزه على التراث الشفاهي والكتابي على المستمع والقارئ (1) .

   ولما كانت المعرفة الإنسانية غالبا ما تنطلق من الذات في علاقتها بالعالم الخارجي على أي صورة من الصور-بالتأثير أو التأثر- استتبع ذلك الحديث عن هذه المؤثرات وتعلقها بالنفس من طريق الإحساس أو الإدراك، وهو ما نجم عنه الحديث عن فكرة الوجود التي تتعلق –غالبا- بالفلسفة اليونانية، ذلك أن ًالنظرية النقدية عبر تاريخها قد طرحت موضوع العلاقة بين الأدب والمتلقيً(2)، غير أن ذلك كان دائما تحت مسمى المعنى أو الوجود أو الحقيقة ، كل ذلك استوجب علينا الوقوف على أهم هذه الآراء.

المعنى بين الذات والعقل:

   لا شك في أن أول ما بحثه اليونان هو فكرة الوجود وغايته، وهو ما تمثل في آراء كثير منهم في علة أو أصل هذا الوجود، ليتسنى لهم بعد ذلك وضع قوانين عامة تحكمه .

   وقد اختلفت آراؤهم ما بين أن يكون أصل هذا الوجود الماء أو الهواء أو النار أو التراب، أو هذه العناصر الأربعة كما زعم هيروقليطس، وقد كانواً جميعهم يضعون هذه الموضوعات ضمن دائرة الوجود الكبرى ويبحثون في العناصر على أنها علامات دالةً(3) ، وفي محاولتهم الإجابة عن موقع المعنى: هل هو في الذات مشتركة مع الموضوع أم في الموضوع ذاته؟ وقد نتج عن ذلك مدرستان؛ تتزعم الرأي الأول السوفسطائية إذ تجعل المعنى ناجما عن اشتراك الذات مع الماهية أو الموضوع ، بينما يعتنق الإيليون الرأي الثاني إذ يرون أن المعنى إنما ينتج عن الشيء المتجانس الذي لا يطرأ عليه تغير، وهو ما دعا اليه بارمنيدس (540ق.م) بقوة بعدما أيقن أن للمعرفة طريقين: طريق الظن ووسيلتها الحواس، وطريق اليقين ووسيلتها العقل

 

 

1- نظرية التلقي ، مقدمة نقدية: روبرت هولب، ترجمة عزالدين إسماعيل المكتبة الأكاديمية- القاهرة، 2000م، ص/47.

2- الأصول المعرفية لنظرية التلقي : ناظم جودت خضر، دار الشروق-عمان- الأردن،1997م ،ص/11.

3- المصدر نفسه، ص/21.

 

، فدعا إلى رفض الأول والإعلاء من شأن الثاني، بينما يرى السوفسطائيون على لسان بروتاغوراس(480-410ق.م) أن الحواس(1) هي أصل المعرفة ، وهو يقصد بذلك الحواس الفردية عندما يقول:ً الذي يظهر لي على انه هو حق تماما مثلما يبدو لحواسك أنت أيضاً(2) وبذلك تصبح المعرفة في تغير مستمر ليغدو عمل الحواس أصلا من أصول المعرفة، وانه لا اعتبار لكل الموضوعات خارج الذات المدركة (الحواس)، وقد كان هذا دافعا مهما لجعل المعنى نسبيا للغاية ، أي أنه خاضع للقدرة على الإقناع والتمويه عندما يمارسون فن الخطابة ، ويكون عمدتهم في ذلك براعة التصوير وحسن استغلال البنية اللسانية في تجميل صورة ما يدعون اليه، بغية إقناع أو تحقيق استجابة المتلقي أو المستمع، وقد أدرك سقراط أن الخطابة عندهم فن ينتج التمويهً وهو جوهر خلافه معهم إذ يرى أن على الفن أن يخدم الحقيقة لان ً الحق لا التمويه هو الذي يجب أن نغذي به النفسً(3)، وذلك بعدما انزل الحكمة من السماء ليبحث في أسس المعرفة اليقينية، وقد أداه بحثه في النفس الإنسانية إلى محاولة معرفة سر تأثرها بمظاهر الجمال التي تتحقق في الأخلاق والفضيلة التي تشعها النفس4 في الحياة والفن من حولها ومن ثم وجب ًتخليد الأفعال النبيلة ، وان نرفع من شأنها في أذهان المستمعينً(4) وبذلك يكون البيان عند سقراط إقناع علم، أما عند السوفسطائيين فإقناع عقيدة مثلما هو عند جورجياس، لذلك وظفوا الأساطير وقوة التشخيص، واختاروا الألفاظ واللغة الشعرية المناسبة مع الوزن المناسب إيمانا منهم بذاتية المنطوق اللغوي، وأن اللغة نفسها هي الجمال والحقيقة والحكمة. 

التطهير بين أفلاطون وأرسطو :

   عرف أفلاطون بالنزعة المثالية التي تعتبر الوجود مجموعة من الأجسام التي تؤلف العالم المحسوس، ومجموعة من المثل التي تؤلف العالم المعقول الذي ينشد الكمال من خلال محاولة افتراقه من شأنها في أذهان المستمعينً(5) وبذلك يكون البيان عند سقراط إقناع علم، أما عند السوفسطائيين فإقناع عقيدة مثلما هو عند جورجياس، لذلك وظفوا الأساطير وقوة التشخيص،

 

1- وهو قول الهيروقليطيين، أن المعرفة متغيرة بتغير الحواس، ينظر: في سبيل موسوعة فلسفية، أفلاطون: مصطفى غالب ،دار ومكتبة الهلال- بيروت –لبنان، 1983م،ص/34-35.

2- الأصول المعرفية : ص/22.

3- المصدر نفسه: ص/27.

4- علم الجمال : دني هويمان، ترجمة ظافر الحسين، الشركة الوطنية- الجزائر،ط2. 1975م،ص/21.

واختاروا الألفاظ واللغة الشعرية المناسبة مع الوزن المناسب إيمانا منهم بذاتية المنطوق اللغوي، وأن اللغة نفسها هي الجمال والحقيقة والحكمة.

عن الجسم، لذلك كانت أقوى مظاهر الجمال –عنده- الأخلاق لأنها مجردة عن الأجسام ليأتي حب المحسوسات من الأشياء في المرتبة الأدنى، ولما كان الفن محاكاة للمثال المطلق فقد اعتبر دوره هو تشويه هذا العالم وتجسيده في صور ناقصة، فالشاعر يشوه الحقيقة باستمرار، ويبتعد عنها مرتين كما في مثال السرير بين النجار والرسام، وهو ما رفضه أرسطو بشدة باعتبار المادة جزءا من المحسوسات، و ً أن النفس هي التي تحرك الأجسام بضرب من القصد والاختيار والتفكير فتنتفي التلقائيةً(2) وليس العكس وهو ما يجعلها تمنحها المعنى أو الدلالة وتضفي عليها الجمال، ثم إن هناك أشكالا كالمثلث والمربع ليست لها مثالا لكن لها وجود مما يجعل المحاكاة فعلا ذاتيا خاصا؛ فالشعر عنده ينبع منً سببين كلاهما طبيعي، فالمحاكاة غريزة في الإنسان تظهر فيه منذ الطفولة...كما أن الناس يجدون لذة في المحاكاة ً(3) ، كما تتعدد أغراضه لتعدد طبائع البشر واختلاف نفوسها ًفذووا النفوس النبيلة حاكوا الفعال النبيلة ،و أعمال الفضلاء ،وذووا النفوس الخسيسة حاكوا أفعال الأدنياء ،فأنشأوا الأهاجي بينما انشأ الآخرون الأناشيد والمدائح ً(4) وبعدما فرق أرسطو بين الملحمة والمأساة ،وركز على المأساة بوصفها عنصرا أو جنسا أكثر تحقيقا للاستجابة المتمثلة في التطهير؛ إنها ًمحاكاة فعل نبيل تام ،لها طول معلوم ، بلغة مزودة بألوان من التزيين تختلف وفقا لاختلاف الأجزاء ً(5) ويمثلها أشخاص بطريقة ًتثير الرحمة والخوف فتؤدي إلى التطهير من الانفعالات ً(6) ،واللغة التي يقصدها أرسطو إنما هي ًتلك التي فيها إيقاع و لحن ونشيد ً(7) مركزا على البنية الإيقاعية و اللسانية للعمل المسرحي ، و عناصر المأساة ستة بحسب الأهمية في تحقيق الاستجابة من الجمهور ، ففي الشكل العام للعمل الفني حتى يكون جميلا ومتناسقا لابد له من بداية ووسط وخاتمة و هو ما ينطبق على المأساة بأجزائها الستة وهي الخرافة والأخلاق والمقولة والفكر والمنظر المسرحي والنشيد وهو ما أسماه (جهازا مسرحيا ) وظفه جميع الشعراء .

 

1- الأصول المعرفية: ص/

2- في سبيل موسوعة فلسفية ، أرسطو: مصطفى غالب : ص/94.

3- فن الشعر: أرسطوطاليس، ترجمة عبد الرحمان بدوي مع الترجمة القديمة لابن سينا وابن رشد، مكتبة النهضة المصرية-القاهرة. 1953م، ص/12.

 

   و يجعل أرسطو أهم هذه الأجزاء تركيب الأفعال ً لأن المأساة لا تحاكي الناس بل تحاكي الأفعال ً(1) وهو الغرض من المحاكاة التي جبلنا عليها ثم تأتي ًالخرافة والتي هي : مبدأ المأساة وروحها ً(2) ؛ إذ لابد أن تؤلف بطريقة جيدة تناسب الفكرة والأخلاق وتركيب الأفعال ؛ ذلك أن مهمة الشاعر ليست تأريخية إنما تتفوق على التاريخ لأن العمل الأدبي يصور ما هو كائن و ما يمكن أن يقع بحسب الضرورة وبحسب الاحتمال وهو ما يجعل الشعر أوفر حظا من الفلسفة وأسمى مقاما من التاريخ ، إن الخرافة عند اليونان تحيل على فكر فلسفي وهو ما جعل اهتمامهم بها فائقا وهي عند أرسطو تشكل مع تركيب الأفعال : ً الغاية في المأساةً(3) .

المتلقي و الاستجابة في نظرية السمو عند ًلونجينوس:                                                    بدء لابد من الإشارة إلى أن مادة هذا العنصر مستمدة كلها من البحث الذي قدسه الباحث في الرسالة المذكورة آنفا ،لأنه لم يمكننا العثور على مصادرها كما أن الباحثين في نظرية التلقي لم يشيروا إلى هذه النظرية سواء أعلامها أو من كتب فيها أو عنها ،الذي حذا بنا إلى الإشارة إليها منبثق من الجهد الذي قدمه هذا الباحث وسنعرضه بكل أمانة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا :

   السمو عند لونجينوس له معنيان(4):

– الأول: يظهر على نحو ملموس في العمل الأدبي ، فهو : ً امتياز خاص و براعة في التعبير ً        - الثاني :فيه مسحة أفلاطونية فهو : ً صدى لروح عظيمة ً أي أنه يتمتع بمثالية عالية في الإحساس غير قابلة للتفسير والتصور ، ويكتسب الأدب هذه القدرة من خلال بنيته الإيحائية ًفالسامي بحسب تعريف لونجينوس هو كل ًما هو حافل بالإيحاء ،وما يصعب بل يستحيل صرف الانتباه عنه ،وما يبقى في الذاكرة قويا ولمدة طويلة ً وهو مايمكن أن يمثله إحساسنا تجاه بحر عاصف ،فتجعلنا بحسب لونجينوس – نتأمل عظمة الروح الإلهية ،وما نحس تجاهه بالعجز عن الوصف والتعبير لأنه يتعلق بمدركات غير قابلة للتجسيد مثل العظمة والشجاعة ، و الحلم و الأخلاق العالية ، وقد حاول لونجينوس أن يجعل العمل الأدبي لهذا السمو مثلما في المحاكاة فوجد أن أرواحنا تتأثر غريزيا بالسمو الحقيقي فتسمو معه ثم تحلق

 

1- فن الشعر : ص/13.

2- المصدر نفسه : ص/18.                   5- المصدر نفسه : ص/20.

3- المصدر نفسه : الصفحة نفسها.           6- المصدر نفسه : الصفحة نفسها.

4- المصدر نفسه : ص/24.                   7- المصدر نفسه : الصفحة نفسها.

         بكبرياء ،وهي تفيض بالسرور والزهو ، وكأنها هي التي أنتجت ما سمعته ً(1) فالسامي يشمل الجمال المادي ( البراعة في التعبير ) والروح العظيمة ( الجمال المعنوي ) وهو أقواها ، يطلق السامي على الصدى العظيم للمعاني السامية ،بينما يتعلق الجميل بالموضوعات المادية ، وطريقة بناءها ونسخها وتصويرها تماما مثلما تبعثه فينا رؤية وردة جميلة ، وشيء متناسق ، كأن الأول جمال معنوي ، والثاني جمال مادي (2) ،وكلاهما مجسد في العمل الأدبي ،و هذه الاستجابة ( السمو ) لابد لها من خمسة مصادر – رصدها لونجينوس : 

1 - المقدرة على تكوين آراء عظيمة ( الخلفية المعرفية ، والرؤية الكلية للعالم )

2 – الانفعال المتوقد الملهم ( أن يعيش تجربته الفنية بصدق عليها من شعوره)

3 - تكوين الصور المناسبة : القدرة على الخلق في عالم الخيال بما يناسب الواقع ولا يناقضه.               

4- اللغة البليغة المناسبة : اختيار الكلمات المناسبة للمواقف والأفكار

5- المقدرة الإنشائية الرفيعة الجليلة : خلق المواقف المناسبة للأفكار واللغة المناسبة و هو ما اعتبره أرسطو التأليف أو التركيب في الأفعال و الأشخاص والأخلاق ، ويشير لونجينوس إلى أن هذه المصادر الخمسة تعمل مجتمعة متناسقة ليصير السمو خلاصة هذا التفاعل ،ويخلص جودت إلى ثلاثة أركان للسمو وهي :

1- الكشف عن تلك الصفات في الكتاب ( الفكر المؤثر والعاطفة ) .

2- الكشف عن السمو الذي يظهر في العمل الادبي ( الرفعة ) .

3- التأثير على القارئ ( الهزة ، النشوة ) التي هي دليل عظمة الأدب ،وهكذا

فالسمو الذي يصوره لونجينوس يهتم أساسا بالقارئ أو المتلقي الذي يحرص على تحقيق الاستجابة منه بشكل يحقق له نشوة أو هزة جمالية طويلة الأمد ليصبح عنصرا معبرا تجب العناية به أثناء خلق العمل الأدبي ، وهذا كله مدار هذه النظرية ، من خلال أمثلة عديدة وقف عليها .

 

1-                الأصول المعرفية: ص/51.

2-                المصدر نفسه: ص/52. 

3-                المصدر نفسه: ص/ نفسها.

 

 

المتلقي والمعنى في الظاهراتية بين هوسرل ( 1859-1938م ) و انغاردن :

   بداية يبدو من الصعب* تحديد معنى الظاهراتية تحديدا دقيقا لتعدد مجالاته واتساع دوائر اهتماماته ، وتعلقه بفلسفة المعرفة بتخومها المعروفة مع الأدب والفلسفة والعلم ، فهي لم تسلم من الفكر النيتشوي** كما لم يسلم منه هايديغر وتلميذه غادامر ومن جاء بعدهما ،وقد يمتد هذا التأثر إلى مبدأ الذات المتعالية عند كانط بحسب بعض الدارسين.

   وجملة القول عن هذه الفلسفة أنها نشأت كردة فعل عن المناهج الموضوعية والتجريبية التي تهمل الذات وتجعلها بعيدة أو عاجزة عن إنتاج المعرفة ،وذلك بعد الفتوحات التي حققها المنهج العلمي والذي أحس أنه لم يعد في حاجة إلى النزعات الذاتية غير المستقرة ،ونتائجها غير القابلة للوصف.

   و الظاهراتية بذلك ليست دراسة وصفية كما وصفها نبيل راغب ،إنما هي إحساس شعوري خالص قصدي ينبع من الذات تجاه موضوع محدد قصدي فيما يمكن وصفه بالحدسية بعيدا عن الترصد،إنها أقرب إلى الإلهام والحدس منها إلى الموضوعية ، إنها ترفض التجارب والإحساسات السابقة التي تمت بين هذه الذات والموضوع ، لذلك كان شعار هوسرل دائما ً العودة إلى الأشياء نفسها ً(1)، إنها تنطلق من المعاينة المباشرة للظواهر كما تتجلى في الوعي ، وكما يعيشها هذا الأخير ( الوعي ) ،إن موضوع الظاهراتية ليس هو الواقع الخالص مجردا من أي علاقة بالإنسان ، فهو ظهور كل ما يتجلى في الظاهر كما هو دون اعتماد المعطيات ً(2).

وتنتج العلاقة بين الذات والموضوع معنى موضوعيا جديدا يطمح هوسرل في أن يكون معرفة

1-       شعريات المتخيل، اقتراب ظاهراتي: العربي الذهبي، شركة النشر والتوزيع المدارس-الدار البيضاء- المغرب.ط1. 2000م،ص/119، ونظرية التوصيل وقراءة النص الادبي: عبد الناصر حسن محمد، المكتب المصري للتوزيع-القاهرة ،1999م، ص/79-80، والأصول المعرفية: ص/78.

2-                شعريات المتخيل: ص/119-120.            

3-                الأصول المعرفية: ص/77.                                                                                                                              

  • ·       

** المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك: عبد العزيز حمودة، سلسلة عالم المعرفة رقم/232، المجلس الوطني للثقافة و الفنون-الكويت، ص/301، وهناك من يصل بمؤثراتها إلى الذات المتعالية عند كانط مثل عبد الغني بارة:تأصيل الحداثة، الهيئة العامة للكتاب2005م،ص/102 ،103.

فلسفية دقيقة(1)، وهو موضوعي لأنه نتج على نحو حدسي بعيدا عن أحكامنا وتجاربنا وإحساساتنا السابقة ،ذلك ً أن فعل الإدراك مع موضوعه في عملية تضايف ً(2) مما يجعلني أرجئ كل التعليقات والأحكام واصب اهتمامي على الموضوع الجديد بزمانه ومكانه وحالتي

الشعورية ، ومثال ذلك : تفتح زهرة معينة ً تجعلني أؤجل كل الأفكار والتعليقات السابقة التي سبق و فسرت الظاهرة ، وابني معها إحساسا وشعورا جديدا بغية الوصول إلى معرفة جديدة ،وبذلك فإنه لا يمكن الفصل بين الذات والموضوع مطلقا ،وهو ما شكل صراعا مريرا بين المثاليين والموضوعيين ،فأراد هوسرل أن يربأ هذا الصدع ،وهو بذلك يعيد بناء المفاهيم والتصورات التي بنيت عليها المعرفة في عصره .

   أما انتقال هذه الفلسفة إلى الأدب فقد كان نتيجة لجهود الفيلسوف الفرنسي ًميرلوبونتيً (3)،الذي وظفها سنة 1945م لمعالجة اللغة في الإبداع الادبي كان يرى أن اللغة فعل قصدي ، وليس كما يظن بلوم فيلد وغيره من أصحاب البنيوية .... كما يرفض ميرلوبونتي ما تقوله النظريات السلوكية والمثالية ً أن اللغة مجرد علامة لأنشطة المتحدث الذهنية(4) فهو يرى أن اللغة تجسيد للمعنى وهو أكثر ما يبدو في اللغة الشعرية ، وبالتالي فهي لا تنفك عن الحالة الشعورية للناطق بها ، إنها حدث موحد تظهر فيه الذات مع الموضوع ،مما يجعل للذات دورا مهما في طريقة صياغة المعنى بهذه اللغة ،وهذا منحى شبيه بما قام به السوفسطائيون كما تبين من قبل ، أما الاستثمار الحقيقي لهذه النظرية في مجال دراسة العمل الأدبي فقد كان على يد تلميذ هوسرل ( رومان انغاردن1893-1970م ) ، والذي حاول تقويم جهود أستاذه بالحد من سمة التعالي أو الترنسندنتالية التي نادى بها، وذلك بإسقاط هذه القصدية على موضوع يتصف بها ، وهو ما وجده ينطبق على العمل الادبي وأسلوب وجوده (البنية الانطولوجية ) ، فراح يبحث في القيم الجمالية التي ينطوي عليها العمل الادبي ، ليصبح النص موضوعا ملموسا يمكن البحث عن أسلوب وجوده بعيدا عن المثالية التي صبغها عليه هوسرل ، ذلك انه يعتقد أن النص بنية قصديه بوصفه وليد تجربة شعورية وشعرية جديدة مقطوعة الصلة بالنصوص

 

1-                الأصول المعرفية: ص/79.

2-                المصدر نفسه : ص/78.

3-                شعريات المتخيل: ص/119، 120.

4-                الموسوعة الفلسفية: نبيل راغب، ص/430، 431.

السابقة من حيث طريقة وجوده ، وانه وجد ليمنح فينا معنى جديدا من خلال بنيتين :البنية القصدية ويقوم بها أسلوب وجود العمل الفني ( الطريقة الفنية ) ، البنية المادية ( الموضوع الواقعي ) ، بعد ذلك حاول انغاردن أن يضع الأسس التي يمكن بها معرفة المنحى الجمالي للبنية المادية وأسلوب الوجود ، فوجد أن البنية المادية تمثل التحديدات المادية والصورية المفقودة للعمل الادبي ، بينما يتحقق الجانب الفني (أسلوب الوجود ) عن طريق عمليات الإدراك التي يقوم بها المتلقي وينتج عنها نشاط ذو دلالة على سبيل الفلسفة الظاهراتية ،وبالتالي فإن معرفة الشكل الأساسي لموضوع الإدراك يجيب على كثير من الأسئلة التي تتعلق بجمالية التلقي ؛ ذلك أن النص الادبي يحتوي على كثير من الفجوات و الفراغات التي تنتظر الملأ أو التحقق من خلال سلسلة الإدراكات التي يقوم بها المتلقي من خلال الطبقات الخمس التي يفترض انغاردن أنها لا تخلو من أي نص أدبي و تشكل بنيات أساسية ذات وظائف جمالية(1) وهي :

1 – طبقات صوتيات الكلمة وصياغتها الصوتية، بنية خطية وبنية صوتية( طريقة التلفظ)

2- طبقة وحدات المعنى : وأصغر وحدة فيها وهي الجملة لأنها يمكن أن تحيل على معنى خارج معناها اللغوي على عكس الكلمة التي لا يظهر معناها إلا في الجملة التي لها وظيفة قصديه خالصة لأنها غير موجودة في العالم الواقعي ، وهذا ينطبق على نوعين :

   أ- موضوعات قصديه خالصة بالأصالة : هي تمثل المقاصد الأصلية للمؤلف .

   ب- موضوعات قصديه خالصة مستمدة : وهي مقاصد متعلقة بالمتلقي غير أنها لا تخرج عن مقاصد المؤلف .

3- طبقة الموضوعات المتمثلة: وهي الزمان والمكان و الأحداث والشخوص وهي تنقسم إلى فنية وواقعية ، وبينهما مجموعة من الفجوات والفراغات.

4- طبقة المظاهر التخطيطية: وهي هيكل العمل الأدبي الذي ينتظر التحقق العياني أو التجسد.

وقد تمكن انغاردن من تحديد عناصر القيمة الفنية للعمل الادبي، إذ هي ليست شيئا ينسب اليه لأنه أداة إثارة و إنما يعزى إلى الشعور القصدي والمظاهر التخطيطية، وبالتالي يعطينا معنى جديدا موضوعيا يضاف إلى النص ، وتنبع هذه القيمة الفنية من البنية الانطولوجية أو (أسلوب وجوده) أي أن القيمة الفنية تقع بين البنية المادية وعمليات الفهم و الادراك.

 

1)- نظرية التوصيل: ص/81، وينظر الأصول المعرفية: ص/90 وما بعدها.

المتلقي ونقطة الانطلاق عند نقاد مدرسة جنيف: وقد اشتهرت هذه الجماعة باسم (نقاد الوعي) على رأسها جورج بوليه وجان بيير ريشارد..وغيرهم ، وهم يقرؤون العمل الادبي على انه ً تجسيد شكلي ولفظي لوعي المؤلفً (1) ولا يتم فهم النص إلا باندماج وعي المؤلف مع وعي القارئ في بنيات أسلوبية محددة من العمل الادبي وهي ما تشكل نقطة انطلاق أو بؤرة توتر يحدث فيها تفاعل قصدي يعلق القارئ فيها كل الأحكام السابقة من حيث إن النص مليء بهذه البؤر المنتشرة في النص الادبي بطريق قصدي، وهي محاولة للانسياق كليا ًلافتراضات هوسرل الذي أهمل الشيء الحقيقي، ثم تجاهل السياق التاريخي الفعلي للعمل الادبي والمؤلف وظروف الإنتاج والقراءةً (2) وذلك لحساب المثالية والتعالي في الشعور القصدي وقد حدا حدوه هؤلاء عندما قصروا عملية الفهم على نقطة الالتقاء (البؤرة ) وعلى التركيز على الاندماج الحاصل في هذه اللحظة بعيدا عن باقي المعطيات الخارجة عن النص فهم يهدفون إلى ً قراءة ذاتية تامة للنص ،دون التأثر بأي شيء خارج النص ً(3) لأن النص ماهو إلا تجسيد لشعور المؤلف ،وذلك تحقيقا للمعنى الموضوعي أو الفهم الموضوعي ،غير أن هذه النظرة أقل واقعية من تجربة انغاردن ، وهو ما جعل أصحاب جماليه التلقي يأخذون بطروحاته فيما يخص المنحى الجمالي كما سيأتي.

 ويشكل فهم اللغة عند الظاهراتيين نقطة افتراق بينهم وبين هوسرل(4) ، إذ يرى أن اللغة ليس لها من وظيفة سوى حمل المعنى ، بينما يعتبر جون بوليه وريشار ( مدرسة جنيف ) أن المعنى يتحقق في الإدراك وليس في اللغة ،أما انغاردن فإن اللغة عنده ليست مجرد وسيط بل هي عنصر فاعل في عملية الإدراك ،إنها نقطة انطلاق عملية الفهم إذ تشكل البنية اللغوية مع عملية الإدراك المعنى ،على عكس اللسانين الذين يجعلون اللغة وحدها هي مصدر أو صانع للمعنى.

 

1-                الأصول المعرفية: ص/104.

2-                نظرية التوصيل: ص/80.

3-                الأصول المعرفية: ص/109.

4-                المصدر نفسه: ص/110.

 

 

المتلقي من الرومانسية إلى التفكيك بين التقديس والتدنيس: تعد المسافة بين الرومانسية والتفكيك مسارا ثرا للحركات النقدية في أوروبا خلفت جهودا نظرية ونقدية كان لها أكبر الأثر على الساحة النقدية والفكرية في أوروبا وأمريكا ، والتي بدأت بالتحولات المهمة في الكلاسيكية القديمة إلى الرومانسية الجامحة التي نزعت إلى تمجيد الذات في مقابل إخفاقات المنهج العلمي في تعامله مع الظواهر الإنسانية خاصة ، وبالتحديد مع الفن ، ففي الشعر يعتبر الشاعر بذاته هو وحده من يملك الحقيقة ، فهو ينتج الفن والحقيقة معا ، وهذا ما عزاه النقاد إلى استمرار الذات الكانطية (1)، ومعنى ذلك أن المعنى لا يوجد إلا في ذهن الشاعر وتجربته الشعرية التي تنبذ التكلف والتنميق وتنزع إلى العفوية والتلقائية في استمالة المعاني من الطبيعة الحاضرة بقوة في ذات الشاعر ووجدانه ، لذلك فلا جرم أن تثور البنيوية(2) على هذه الذات الكانطية المنطوية مرة ، والمتأثرة مرة أخرى بفتوحات العلم والمنهج اللساني السوسيري في مقاربة النصوص بما يعتقد أنه أكثر موضوعية ودقة في توصيفها ودراستها بعيدا عن سجلاتها الثقافية والاجتماعية ، يحدث كل هذا في الوقت الذي تشكلت فيه مدارس أخرى مؤثرة ومتأثرة ، مثل الشكلانية التي تريد أن تهتم بكل عناصر العملية الإبداعية (3) مستمدة مشروعيتها من هذا التعريف ً العمل الفني هو مجموع عناصره ً(4) محققة بذلك انفصالا عن المناهج السياقية ، مركزة اهتمامها على المنحى الجمالي موظفة كل هذه الأطراف في الكشف عن هذه المناحي ، من خلال التعارض الحاصل بين اللغة الشعرية ( الخيال) وبين اللغة العملية ( الواقع ) وقد كان هذا المنحى الدعامة الأساسية في ما قام به جاكوبسون في بحثه عن ( الأدبية ) كما كان له كبير الأثر في نظرة ياوس إلى تاريخ الأدب- النظرة الجمالية كما سيأتي .

   في هذه الأثناء تتعالى أصوات أصحاب النقد الجديد الذي نشأ تحت مظلة الشكلانية (5) فيساندها في رفض نظرية المحاكاة واستحالة الفصل بين الشكل والمضمون مصرين عل تفوق

 

1- المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك: عبد العزيز حمودة، ص/307.

2- المصدر نفسه: ص/308.

3- موسوعة النظريات الأدبية: نبيل راغب ص/381، وتأصيل الحداثة: عبد الغني بارة، ص/96.

4- مقدمة نقدية: روبرت هولب، ص/

5- دليل الناقد الادبي: ميجان الرويلي وسعد البازعي، المركز الثقافي العربي، ص/312.

اللغة الشعرية على اللغة اليومية وهو ما كان واضحا في كتابات إزرا باوند و إليوث... (1) ،غير أن الأهم في هذا كله هو نظرتهم إلى النص على أنه كل مغلق ً كلية النص العضوية ً(2) مما يجعل التحقق الكامل لفهم القصيدة ممكنا ، ما جعل أحد نقاد التفكيك يعتقد بأنهم ً واهمون لأنه يعتقد أن الحوار بين العمل والمفسر لا نهائي ً (3) وقد بدا الصراع واضحا بين النقاد الجدد و التفكيكيين حول موقع المعنى، إذ يرى النقاد الجدد أن المعنى يكمن في النص ذاته ولا يفرض عليه من الخارج ً السياق ً ولأن ذلك لا يعني عندهم أحادية التفسير فإن على الناقد أن يكشف عن المعاني المتعددة التي كلما زادت في النص كلما حقق القيمة الإبداعية فيه ، وهذا التعدد محدود وله شروطه ، بينما يعيد الناقد كتابة النص من جديد متجاوزا هذا الكشف عند التفكيكيين ، إنه يخلقه من جديد لتصبح القراءة عملية توحد صوفي بين المتلقي والنص ، وعندما تصبح كل قراءة إساءة قراءة تصبح كل القراءات سليمة وصحيحة ، لأن القارئ له الحرية المطلقة في فتح الدلالة وغلقها ، وهو ما يعني فوضى القراءة و النقد الإبداع معا عند بعض الدارسين، مما يقصي المؤلف بل وحتى النص أحيانا ، وهذا ما جعل أصحاب نظرية التلقي يعيدون النظر في أركان العملية الإبداعية المتناحرة زمنا برؤية أكثر شمولية وتوازنا مستفيدة من إيجابيات كل منهج كما سيأتي.

المتلقي في الهيرمينوطيقا بين التأويل والتفسير :

   يعد(فريدريك شليرمايخر 1643م) أبو(4) الهيرمينوطيقا الحديثة ، وهي تلك المدرسة التي تهتم بتفسير النص الديني والتاريخي (5) وبخاصة فيما يتعلق بالإنجيل وكيفية قراءته في كل من التقليد المسيحي واليهودي .

   وبدءا يصر شليرمايخر ًعلى أن القراءة فن وأن على قارئ النص أن يكون فنانا بنفس القدر

 

1-                موسوعة النظريات الأدبية: ص/381.

2-                المرايا المحدبة: ص/312-313.

3-                المصدر نفسه: الصفحة نفسها.

4-       مقدمة في الهرمينوطيقا: دايفيد جاسبر، ترجمة وجيه قانصو، منشورات الاختلاف-الجزائر العاصمة-الجزائر،ط1. 2007م ،ص/122.

5-       إشكاليات القراءة وآليات التأويل: نصر حامد أبو زيد، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، بيروت،ط2007م،ص/18.

الذي يكون عليه المؤلف ً(1) ليؤكد أن القراءة والكتابة كلاهما فن إبداعي ، وأن هناك تفاعلا أوً مفاوضات تحصل بين النص والقارئ ً وهي بحسب جاسبر نابعة من أمرين ، أولهما : القلق في أن نفهم (وهو الذي لأجله نكتب) ، والثاني : القلق في أن نفهم ( وهو الذي لأجله نقرأ) ، وقد حاول مايخر أن يجعل الهيرمينوطيقا علما بذاته بحيث تكون متاحة لكل الناس وعلى كل مستوياتهم ، لأجل ذلك قسم التفسير إلى قسمين :

   الأول – التفسير النفسي الذي يهتم بالتفاعل بين القارئ والنص .

   الثاني – التفسير القواعدي الذي يتطلب معرفة وفحصا ألسنيا ونحويا لبنية النص (2)

   على انه يشترط على المفسر أن يفهم النص كما فهمه مؤلفه لتتحقق له القدرة على فهمه بشكل أفضل من المؤلف ذاته وهو ما اعتبره أبو زيد ًالنص ً (3) وسيطا لغويا ينقل فكرة المؤلف إلى القارئ مقرا بذلك تفاوت النصوص مما يجعل عملية الفهم والتفسير متفاوتة أيضا.

   بذلك يكون شليرمايخر قد فتح آفاقا مهمة على من جاء بعده ، مثل ديلثي الذي انطلق من البحث عن ً التفسير و الفهم ً الصحيحين في مجال العلوم الإنسانية (4) مركزا اهتمامه على التجربة الذاتية باعتبارها أساس المعرفة ، معتبرا الفهم ثمرة الدراسات الإنسانية، بينما يكون الشرح والاكتشاف هو مصير الدراسات العلمية (5).

   أما هايديغر وتلميذه غادامر فينزعان إلى معالجة مشكلات الهيرمينوطيقا منزعا فلسفيا ، وبخاصة عند الأول الذي يرى أن اللغة تسبق الكينونة (6) وهي في الآن نفسه أداة العبير عنها ، بعدما حاول تقريب المعنى من المتلقي حينما فصل بين الدال والمدلول مركزا على عملية الادراك لأنه ً الوسيط الحيوي للوجود التاريخي للإنسان ً (7) وبرغم تأثره بظاهراتية أستاذه هوسرل في الإدراك غير أنه يرفض التعالي أو الذاتية باعتبار الوجود عملية فهم مستمرة .

   أما غادامر فيركز على عملية الفهم ذاتها باعتبارها مشكلة وجودية ، في محاولة منه لكشف العلاقة بين فهمنا وتجربتنا الذاتية الكلية ، والإجابة عن كيفية تحقق الفهم في ذهن القارئ ( قارئ التاريخ وقارئ الفن و الفلسفة) من غير أن يفرق بينهما جميعا إذ ً أن الفن مثل الفلسفة

 

1-مقدمة في الهرمينوطيقا: ص/121،وينظر إشكاليات القراءة: ص/16.

2-مقدمة في الهرمينوطيقا:ص/120، بتصرف يسير. 5-المصدر نفسه: ص/27.

3-إشكاليات القراءة: ص/20.                         6-المرايا المحدبة: ص/302.

4-المصدر نفسه: ص/23.                           7-إشكاليات القراءة: ص/30-31.

 

والتاريخ يتضمن نوعا من الحقيقة لا توجد إلا في غيره ً(1)

   ولما كان فهمنا للفن والتاريخ والفلسفة ينطلق من التاريخ ولا ينفك عنه فقد دعاه ذلك إلى وضع آلية مشتركة تحقق فهمنا جميعا وهو ما أسماه ً الأفق التاريخي ً باعتبار الماضي جزء مهما من حياتنا ، وعنصرا فعالا في فهمنا ومعارفنا و أفكارنا نستعين به في فهم الماضي واكتشاف الحاضر واستشراف المستقبل ، والقارئ المعاصر الجيد -حسب غادامر- هو الذي يحدد فهمه للتاريخ من خلال آفاق الماضي ممزوجة بأفق الحاضر(صهر الآفاق) ، وهذه الآفاق في تغير مستمر لأن المعرفة متغيرة باستمرار ، على أن أكبر اهتمامه كان بالفن لما فيه من تدوين عفوي للوعي (2) متأثرا بظاهراتية أستاذه ، غير أن اهتمامه بالتاريخ يكاد يلغي المعنى الموضوعي الجديد الذي نادى به هوسرل واعتبره معرفة يقينية .

المتلقي في منظور جمالية التلقي :

   لا تنفك نظرية التلقي عن الجهود التي قدمها كل من أصحاب المدارس* النقدية والتأويلية ، كما لا تنفك أيضا عن البيئة الأدبية التي نشأت فيها، والتي اتسعت فيها الاهتمامات بالقارئ بعد انتشار الحرف المطبوع ونجاح كثير من الروايات والمسرحيات(3) التي باتت تترصد اهتمامات

القارئ وطلباته و خاصة في موطن النشأة ً ألمانيا ً ولأن البيئة الأدبية غالبا ماتكون مهيأة لظهور النظرية النقدية على حد تعبير هولب فإن ً الأفضل أن يقال أن جوانب الحياة الاجتماعية الألمانية المختلفة قد شكلت الظروف اللازمة لإمكانية تشكيل هدا المنظور الجديد بمعنى الكلمة في مجال الدراسات الأدبية وتقبله ورواجه ً(4).

 

1-إشكاليات القراءة: ص/39.

2-الأصول المعرفية: ص/100.

3-نظرية التلقي مقدمة نقدية: روبرث هولب،تر:عزالدين إسماعيل، المكتبة الأكاديمية-القاهرة، ط1. 2000م، ص/44-45.وقد توسع بعضهم في ذلك مثل عبد الناصر حسن محمد في: نظرية التوصيل وقراءة النص الادبي،المكتب المصري-القاهرة.1999م، ص/

4- نظرية التلقي:روبرث هولب: ص/45.

*وهناك من لم يفرق بين هذه النظريات إلا قليلا مثل عبد الغني البارة: تأصيل الحداثة: ص/91، وهناك من توسع في ربطها بالفلسفة الأوروبية مثل صاحب المرايا المحدبة:ص/399 وما بعدها، أما جودت خضر فيرجعها إلى النزاع الطبيعي بين المناهج النقدية، ينظر الأصول المعرفية:ص/121.  

ونظرا لكثرة الدراسات التي عرضت أفكار أصحاب هذه المدرسة النقدية (ياوس و آيزر ) فقد آثرت الاعتماد بالأساس على أهم ما كتباه* وهو كتاب ( جمالية التلقي لياوس) و( فعل القراءة لآيزر ) مستعينا بأهم ما كتب حولهما مثل كتاب ( نظرية التلقي لروبرت هولب ) ومقالة نبيلة إبراهيم (القارئ في النص عند آيزر ) ومكتفيا بالإشارة إلى المراجع الأخرى .

 

جمالية ياوس بين تأريخ الآفاق وأفق التوقع : يبدأ ياوس في كتابه ( جمالية التلقي ) بانتقاد وتقييم كتابات التاريخ الأدبي ، فيرى أنها قامت على أساس قومي ، وأن هذه النظرة الكلاسيكية لم توفق في كتابة تاريخ أدبي حقيقي لأنه لايعدو أن يكون مجرد كتابة للتاريخ فهو ً قاصر عن إدراك البعد التاريخي للأشياء وعاجز عن التقويم الجمالي لموضوعه – أي الأدب – من حيث هو شكل فني ً(1) برغم محاولته التخلص من نزعة التدوين التاريخي الذي ينظر إلى القارئ نظرة سلبية جنت على الأدب ذاته فاختزلته إلى مسببات ونتائج ، فيرى أن الفجوة بين المقاربة التاريخية والمقاربة الجمالية للأدب تبقى شاغرةً(2) بسبب إهمال القارئ، غير أنه ما يلبث أن يشيد ببعض ما قدمته الماركسية و الشكلانية من نتائج حاول استثمارها في نظرته الجديدة والتي صرح بها في هذا الكتاب معلنا أن الشكلانية – مثلا- قد سبقت بعض طروحاته بأربعين سنة ؛ إذ أكدت الخاصية الجمالية للأدب بدءا بتعريفها للعمل الادبي على انه ً مجموع الأنساق الفنية الموظفة فيه ً(3) إشارة منهم إلى عدم الفصل بين الشكل والمضمون مرة ، وبين عناصر العملية الإبداعية أخرى بما فيها المتلقي ، وقد اعتبر ياوس هذا التعريف وظيفيا محضا، أما أعظم انجازاتها-بحسبه- فهو أنها عدلت عن التطور الكلاسيكي الزمني(synchronique ) و هو التعارض بين اللغة الشعرية(الخيال) وبين اللغة العملية (الواقع) إلى التطور الادبي في سيرورته التاريخية، وهو ما اسماه التطور التعاقبي (diachronique) و هو التعارض الشكلي المتجدد ما بين الأعمال الجديدة و الأعمال التي سبقتها(4) و هو ما اعتبره ياوس مبدأ ديناميا مستمرا.

1)-جمالية التلقي: هانز روبرت ياوس،تر:رشيد بن جدو المجلس الأعلى للثقافة-القاهرة.2004م ،ص/22.

2)-المصدر نفسه: ص/27.

3)-المصدر نفسه:ص/36.

4)-جمالية الاستقبال والتلقي عند ياوس: عبد القادر أبوريدة ،ضمن مجلة اللغة والأدب، معهد اللغة العربية-جامعة الجزائر،عدد10،ديسمبر1996م،ص/13، ونظرية التلقي: ص/50.

4)-جمالية الاستقبال والتلقي عند ياوس: عبد القادر أبو ريدة: ص/13

*)- لأنني لم أوفق في الحصول على هذه المحاضرات التي أشار إليها روبرت هولب:ص/97.

   أما الماركسية فبرغم تقاطعها مع الشكلانية في رفض النزعة الوضعية والميتافيزيقية الجمالية لتدوين الأفكار، ومناهضتها للرومانسية إلا أن ما قدمته يظل محاولة أحادية الجانب حالت دونها –حسب ياوس- صعوبات إبستيمولوجية، منها أنها اعترضت على أن يكون للنص وسائر أشكال الوعي(الفن والفلسفة والدين..) تاريخا خاصا لأن الأدب والفن لا يستطيع أن يحافظ على استقلاله المظهري، ذلك أن الحياة الأدبية والاجتماعية مرتبطة بسيرورة الحياة الواقعية والإنتاج الاقتصادي وهذا ما كان وراء إخفاقات تطبيقات نظرية الانعكاس التي قام بها لوسيان غولدمان و روبرت إسكاربيت وجورج لوكا تش(1) ، بعدما عجزت عن تصور العلاقة بين الجديد وتكرار القديم، كما اعترضتها أزمة التباين بين الإنتاج المادي والفني بحسب ماركس الذي رد على ما وقع فيه لوكا تش حينما ارجع سر تأثرنا بأشعار هوميروس إلى ارتباطها بلحظة الانعكاس(الإنتاج) و هو ما عده ياوس تقليصا للأثر الذي يحدثه الأدب ليتحول إلى تعريف بأشياء سبقت معرفتها، وهو إرث نظرية المحاكاة، يضاف إلى كل ذلك فشل نظرية الانعكاس في الإجابة عن كيفية تحديد آثار الأدب بوصفه شكلا فنيا لأنها ترفض فكرة الخلق مما جعل ياوس يصفها بأنها ليست ماركسية تماما(2)

   وقد حاول ياوس حل مشكلة تاريخ الأدب التي تركها الخلاف بين الماركسية و الشكلانية من دون حل، وذلك بردم الفجوة الحاصلة بين المعرفة التاريخية(الماركسية) والمعرفة الجمالية (الشكلانية) الذين يجردان الأدب من بعد مهم ًوهذا البعد هو الأثر الذي ينتجه العمل الادبي والمعنى الذي يعطيه الجمهور له (تلقيه) ً(3)هذا الجمهور الذي تعامله الماركسية معاملة المؤلف إذ تبحث عن ظروفه وسيرته،بينما لا تحتاج الشكلانية القارئ إلا باعتباره ذاتا للإدراك ًيتعين عليها –تبعا لتحفيزات نصية- أن تتبين الشكل أو تكشف عن التقنية الفنية المستعملة ً(4) ليقرر ياوس أن وظيفة الأدب الأساسية هي خلق الأثر أو الاستجابة لدى الجمهور المتلقي والتي على ضوءها يمكنه كتابة تاريخ لجمالية التلقي وفق قاعدتين أساسيتين تمكنانه من إنشاء علاقات بين الإنتاج الادبي والتاريخ

 

1)- نظرية التلقي مقدمة نقدية: ص/ ، وينظر انتقادات ياوس عليها وعلى الشكلانيين معلنا إفادته الكبيرة منهم : جمالية التلقي: ص/21-51.

2)- جمالية الاستقبال والتلقي عند ياوس: ص/10.  

3)-جمالية التلقي: ص/39.            

4)-المصدر نفسه: الصفحة نفسها.  

 

 

   العام،أي بين علم الجمال وعلم التاريخ*:

- أن العمل الادبي ليس له وجودا ماديا، وإنما هو حاصل التفاعل بينه وبين البشرية وهو ما يسمح باستمرار نشاط الفهم الايجابي المنتج.

2- أن الواقع الإنساني ليس إنتاجا للجديد فحسب بل هو كذلك وبالتكامل إعادة إنتاج للقديم(1)

وهو ما سمح له بتوظيف الأفق التاريخي في قراءة العمل الادبي مستثمرا مقولة كولينجوود(2) عن التاريخ انه إحياء للماضي في ذهن المؤرخ، وكذلك النص الادبي في ذهن المتلقي، انه-حسب ياوس- عبارة عن قطعة موسيقية تعيش خارج التاريخ ولا توجد إلا أثناء العزف؛ إنها السمة الأساسية التي تجعله أكثر حرية و دينامية واستمرارا في إحداث الاستجابة.

   إن الأحداث الموضوعية المتسلسلة ليست لها معنى خارج دائرة وعي المتلقي عند ياوس وهي النزعة الظواهرية التي ورثها عن هوسرل، ووفق ذلك لا يمكن فهم تاريخ الأدب ووصفه بخصائصه الجمالية إلا إذا أمكن الاهتمام بوجهة نظر القارئ وهو ما تجسده آلية( أفق التوقع referenc of th readr.s expectations) .

فعلينا أن نعيد تشكيل أفق توقع الجمهور في اللحظة التاريخية التي ظهر فيها هذا العمل، وذلك بمراعاة تمرس الجمهور السابق بالجنس الادبي، ومعرفة أشكال وموضوعات سابقة عنه، والكشف عن التعارض الحاصل بين السايكرونية والدياكرونية مستفيدا من تشكل المعنى أو الادراك في   الذات الفاهمة الذي قال به هوسرل(3)، ثم يخالفه عندما يستبدل المعنى الموضوعي (القصدية) بأفق التوقع لأنه يرى أن العمل الادبي –حتى في حالة صدوره- ليس جديدا محضا، كما يراهن ياوس على الاستجابة الأولى للجمهور فهي التي تحدد قيمة النص الأدبي الجمالية وقد أطلق على هده الآلية (المسافة الجمالية)(4) التي كلما كانت بعيدة بين النص والجمهور كلما تحققت المتعة الأدبية وقد أتى بها لقياس مقدار الاستجابة لدى المتلقي، وتقع ما بين أفق التوقع والعمل الأدبي.

إن تقنية أفق التوقع كما يقدمها ياوس تفترض أن يقدم العمل اللاحق حلولا للعمل السابق في الوقت الذي يفتح فيه معضلات أخرى، كما يمكن له أن ً يصنف كل عمل ضمن السلسلة الأدبية التي

 

1-جمالية التلقي: ص/35.                   3-الأصول المعرفية: ص/82.

2-المصدر نفسه: ص/42.                   4-جمالية التلقي: ص/45.

*-وهو أهم ما كان يسعى اليه ياوس في مقالته ًالاستثارةً ينظر:مقدمة نقدية:هولب:ص/114

   ينتمي إليها حتى يتمكن من تحديد وضعه التاريخي ودوره وأهميته في السياق العام للتجربة الأدبيةً(5).

   غير أن هذه الآمال العراض المعقودة على أفق التوقع هدا سرعان ما تصاب بالشلل أمام بعض الأسئلة المهمة مثل السؤال الذي تركه ياوس-فيما أرى-من غير إجابة شافية، وهو: إلى أي عصر نحاكم النص الادبي؟ إلى الماضي أم إلى الحاضر أم إلى المستقبل؟ ويكتفي هنا بالتعميم عندما يقول: ً ومن أجل تصور تاريخ للأدب يقوم على مبدأ (التطور الادبي) ومن أجل إدراك التعارضات الشكلية أو الخاصيات الاختلافية ضمن استمرار صيرورتها التاريخية، يتعين على جدلية التلقي والإنتاج الجماليين أن يتواصل استمرارها إلى اللحظة التي يتم فيها كتابة التاريخً(6).

   إننا إذ نجعل تاريخ تطور الأدب رهن أفق توقع القارئ، فإننا يمكننا- فقط- معرفة تلك الأعمال الرائجة في فترة تاريخية محددة، وإذا أمكننا أن نكتب تاريخا أدبيا-وفق وجهة نظر ياوس-فإننا لا نكتب إلا تلك المشاهد المشهورة والوقائع المتواترة والقريبة منا مثل رواية مدام بوفاري التي تحدث عنها، وكان جديرا بياوس أن يقدم لنا تطبيقات عن روايات أكثر قدما وأقل شهرة ، روايات تنتظر التحقق كانت خاملة الذكر كما تركها المتلقي والتاريخ هناك.. ؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1)-جمالية التلقي: ص/56.

2)- نفسه: ص/58.

 

 

الاستجابة الجمالية وبناء المعنى عند فولفغانغ إيسر: لقد أيقن إيسر بعدة أفكار بعض منها يعزى إليه وبعض آخر يعزى إلى غيره فمن مقومات نظرته؛ أن العمل الأدبي يشكله قطبان قطب فني وقطب جمالي وهي نتيجة ردها إلى تأثيرات النظرية الظواهرية (1) التي تعني بردود الأفعال (الاستجابة) قدر عنايتها بالنص ، وقد أداه ذلك إلى أن التركيز على المؤلف أو القارئ لا يقدم شيئا عن القراءة نفسها (2) ، لأن القراءة تسير في اتجاهين متبادلين ً من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص ؛ بقدر ما يقدم النص للقارئ ، يضفي القارئ على النص إبعادا جديدة قد لا يكون لها وجود في النص ً(3) وبدون مشاركة للقارئ لن يكون هناك معنى لأن المعنى ليس موضوعا محددا إنما يتشكل باستمرار فعل القراءة ، فالنصوص الأدبية –كما يرى-تقدم عروضا للمعنى ولا تصوغه ، كما أنها- بحسب إيسر و انغاردن- تفرز لنا شيئا لا تتصف به وهو المتعة الجمالية .

   كما انه لا يقبل التعاطي مع النص الادبي وفق ما تدعيه الموضوعية والذاتية معا مشككا في قدرتهما على تحديد الاستجابة وتقديم شيء عن القراءة لأنهما ًعلى السواء تميلان إلى تشويه بعض الجوانب المهمة من عملية القراءة أو تجاهلها ً لذلك فإنه ً علينا أن نوجد إطارا مرجعيا ذاتيا يساعدنا على تقويم الذاتية المتبادلة غير القابلة للتفسير ً(4) وهذا الإطار المرجعي هو المعيار المثالي الذي ينطوي عليه النص وهو ما يقدمه الناقد للقارئ فيسهم في إنشاء قارئه وتوجيهه إذ لكل معنى قارئ ولكل قارئ معنى وبذلك يخرج من الأزمة الذاتية والموضوعية التي تؤدي إلى تعسف القارئ بشكل أو بآخر في التعامل مع النص.

   وفي محاولته تحديد التفاعل بين النص والقارئ يؤكد إيسر أن متعة القارئ تبدأ حين يكون هو نفسه منتجا وعندما يظهر مهاراته في بناء المعنى من خلال القراءة التي تتم بشكل تعاقبي وفق سلسلة من تركيب الصور ، وفي محاولته دراسة عملية التركيب هذه يستعين بجهود علم النفس وبالذات بنظرية الجشتالت وهي الترابط التلقائي للعلامات النصية ) وقد اصطلح على هذه التراكيب (التراكيب السلبية) التي تحدث عنها هوسرل، وهي سلبية لأنها تتكون بصورة مستقلة تماما عن المشاهدة الواعية ، والعنصر الأساس فيها هو الصورة ، وهذه التراكيب تختلف عن التراكيب

 

 

1-فعل القراءة،نظرية في الاستجابة الجمالية:فولفغانغ إيسر،تر:عبد الوهاب علوب، المجلس الأعلى للثقافة.2000م،ص/27.

2-المصدر نفسه: ص/28.

3-القارئ في النص: نبيلة إبراهيم، ضمن مجلة فصول-الكويت، عدد أكتوبر نوفمبر ديسمبر 1984م، ص/101.

4-فعل القراءة: ص/31.

التوكيدية في أنها ليست أحكاما جاهزة . كما يرى إيسر أن النص يحتوي على ً وجهة نظر شاردة

تجوس خلال ما تريد أن تدركه ً(1) ، وهي أداة تحدد طريقة وجود القارئ في النص ، ويقوم القارئ بجمع شتات ما فرقته وجهة النظر الشاردة .

   كما حاول إيسر أن يصف لنا ما يحدث للقارئ(2) مع النص ؛ فعندما يلتقي الكاتب و القارئ فيما اسماه ( نقطة الوعي ) تحدث حالة اغتراب مؤقتة للقارئ الذي كان يفكر بأفكار الكاتب ، فيتخلى عن تجربته الخاصة إلى تجربة الكاتب مما يسهل عليه تعديل توقعاته ، كما يسهم القارئ في ملء تلك الفجوات والفراغات المنتشرة في النص مما ينتج دلالات جديدة تضاف إلى النص مما يجعله يتجسد (التحقق العياني) ، وهذه الإجراءات استمد بعضها مما قدمته مدرسة جنيف حول منطقة الوعي ، كما استمد مصطلح اللاتحديد من رؤية(3) انغاردن للعمل الفني موظفا وحدات المعنى التي تعد الجملة أصغر عنصر يحيل على معنى خارج معناها المعجمي.

القارئ الضمني: وهو نسخة عن مفهوم واينبوث* للمؤلف الضمني يستهل إيسر الحديث عنه بما قاله نورثروب فراي عن بويما أن ً كتبه تشبه نزهة يشارك المؤلف فيها بالكلمات ويأتي القارئ بالمعنىً (4) ، وقد عرفه إيسر تعريفات متفاوتة –حسب هولب- وذلك في كتاب يضم مقالات عن فن القص النثري، فهو مرة ًحالة نصية وعملية إنتاج للمعنى على السواء ًرغم الإبهام الذي تشير اليه كلمة ًحالة نصيةً ، وهو مرة أخرى جذور ًمغروسة بصورة راسخة في بنية النصً وهو أكثر عمومية، ويعرفه مرة ثالثة في كتابه فعل القراءة بأنه ًبنية نصية تتطلع إلى حضور متلق ما دون أن تحدده بالضرورةً (5) ، و رغم أنه يعول على هذا التعريف فان هولب يعتبره غامضا لأنه لا يحدد لنا إسهامات هذه الشركة(النص والقارئ)(6)، ويكتفي بتحديد عملية المراوحة بينهما، وقد أراده إيسر وصفا لقارئ ظواهري يتأبى على التحديد قبل قراءة النص الادبي والتفاعل معه؛ وهو بذلك يمكنه أن يجمع كل أنواع القراء الذين عرض لهم مشيدا باهتمام كل منهم بزاوية مهمة في النص غير أن

 

 

1)- فعل القراءة: ص/116.                          

2)- المصدر نفسه: ص/157.                        

3)- نظرية التلقي: ص/135 وما بعدها، وفعل القراءة: ص/174، والأصول المعرفية: ص/154.

5)- المصدر نفسه: ص/40.                 6)- نظرية التلقي: ص/137.

* وهو ما أكده روبرث هولب، ينظر: نظرية التلقي : ص/136.

 

 

الذي يجمعهم ولا يفرقهم هو(القارئ الضمني) ًالذي يجسد تلك الاستعدادات اللازمة لكي يمارس العمل الادبي تأثيره ً(1) لأنه يمكن أن يشير إلى القارئ الفذ عند ريفاثير والقارئ المقصود عند وولف ، والقارئ الحقيقي والقارئ المعاصر..*

   وهنا يمكن أن يقال: مادام النص الأدبي ليس مقصورا على قارئ محدد إذ يقدم للجمهور جرعات جمالية بقدر مستوياتهم جميعا وهو ما يغطيه مفهوم القارئ الضمني فلماذا يجسر على تحديد هؤلاء القراء، وبأي حق أمكن لإيسر تفويض الناقد للكشف عن المعيار المثالي الذي يمليه النص الأدبي، ألا يخشى من اختلاف النقاد حول طبيعة هذا المعيار وخصائصه وتعدد الرؤى حول الأساس الذي يمكن- وفقه – فهم النص الادبي؟، ألا يقع النقاد في إسقاط أحكام مسبقة على النصوص مما يجعل المتلقي يقتصر فقط على تلك النصوص التي وصفت بان لها معيارا متناسقا، وهي ما تستحق أن توصف بأنها نصوص راقية أو رفيعة؟ إن كل هذا يجعل هذه الجهود مجرد عباءة جديدة لتلك التي سبقتها حينما ادعت الموضوعية أو المثالية في التعامل مع العمل الأدبي بكل أشكاله .

   وبعد فإنه إدا أمكنت المقارنة بين طبيعة الاهتمام بالمتلقي عند العرب وطريقتها عند الغربيين ، فإنه بالإمكان القول إن التلقي عند العرب ممارسة مرتبطة بالشعر والخطابة لا تهدف إلى البحث عن المعنى بقدر ما هي تعيش التجربة الفنية التي يقدمها النص الشعري، لدلك فقد اقتصر دور المتلقي على التفاعل مع النصوص الشعرية والخطابية، و الممايزة بينها في الجودة وفق ما يرتضيه الواقع الشعري مرة ، ووفق ما يستجيب إلى ظروف الواقع الاجتماعي والسياسي والنقدي، منطلقا من النص لا من الوجود، فاختلفت بدلك مستوياته. أما المتلقي عند الغربيين فينطلق من الوجود في البحث عن المعنى –أو بالأحرى-الماهية، فهو يبدأ بالفلسفة ليصل إلى الأدب ، وعمادهم في دلك الخرافات والمسرحيات التي تشكل حقيقة ، أو فكرة فلسفية يصعب الفصل بينها وبين الاستجابة الفنية لأنها عناصر متداخلة، بيد أنها تطغى عليها النظرة العقلانية مبتعدة بدلك عن بعض المؤثرات؛ بينما تقوم الاستجابة عند العرب على البداهة والحدس والارتجال البعيدة عن قوة التفكير والمرتبطة بمؤثرات خارجية اجتماعية ونقدية وسياسية ...

1)- فعل القراءة: ص/39.

*- وقد توسع آيزر في عرض أنواع ومهام هؤلاء القراء، ينظر: فعل القراءة: ص/33-34.